Ads 468x60px

الجمعة، 7 مارس 2014

قصة قصيرة ثلج مدينة جنوبية ....بقلم الكاتب : خليل حشلاف




ثلج مدينة جنوبية
كل المدينة هبت من رقادها، تفتح ذراعيها الخشنتين لتحضن قطن الثلج، كانت تحلم منذ زمن ببلل عميم يغسلها من غبار الصيف، فتحت النافذة، مرت نسمة باردة، أغلقتها وعدت لأجلس بعيدا، قبالة الأسطح القرميدية، كان ثمة شيء كالعدم، بياض، السماء، الأسطح، لم يكن هناك سوى صوت ذلك الرفس، وترى كرات الثلج تطير ثم تحط أظن أنها تسقط على أحد، يركض هوب! تهتز النافذة.كان صباحا جميلا أن تنهض مدينتي على غير عادتها، ثلج، ثلج، هاك خذ حقك من الثلج ضربته على رأسه لا، لا تذيب الثلج على صدري، أضربني ولا تفعل ذلك، قلت لك سيصيبني الزكام، ها قد هربت، إلحقني، خذ إنه صاروخ، أنت إسرائيل وأنا العرب!
لا أعرف لماذا شعرت أني إذا رسمت لوحة من وحي هذه اللحظة سألوث براءتها، خمنت أن أخرج، عدت لأنظر إلى الجانب الآخر من الطريق، بان الأفق قليلا، حدته المباني العالية نفيت أن يكون ركونا مني إلى سنوات مضت، كان هناك شلال من المشاعر، وشعرت أني أذوب، كنت مبهورا بألوان من الأحاسيس من العسير مناداتها، أظن أن هناك قوس قزح وتسللت، سقطت كرة الثلج. - تعال اذهب إلى أمك - لا، لن أذهب مشيت أقدامك تنغرس، الأطفال يركضون لم يستقر بك المشي حتى شعرت بكرة تضربك على ظهرك، لم تشأ أن تلتفت، انكمشت داخل نفسك. كان الهواء يخرج ساخنا من فمك وأمعنت النظر في العصافير التي تنبش الثلج بأظافرها الصغيرة، العجوز لم تنسحب من الشارع، راحت ترد كرات الثلج واحدة تلو الأخرى، أخذ أحدهم يركض من حولها، وآخر يتربص بها من وراء الشجرة. أينما التفتت تأتيها كرة على كتفها، لم تعد تعي مـا تفعل، أدركت أن الأطفال أعجبتهم اللعبة وأصبحت هيئة العجوز المشمرة مغرية لوابل من الكرات. - إ، أنتم هناك ابتعدوا عن العجوز قد تصيبونها في وجهها. لم أكمل كلمتي حتى اهتزت العجوز بكامل ثقلها إلى الأعلى وبصرخة مكتومة وضعت يدها على فمها، احتضنتها واضعا منديلي على الأنف ونصف الفم، كان هناك دم يسيل، ضغطت وهي تكتم صوتا متألما، جاء بعض المارة يساعدونني في حملها وطرق أحدهم باب الدار القريب من الحادث فأدخلناها إلى البهو وخرجنا لنتركها للنساء يعتنين بها. لم أفكر في الحادث، قلت: هي هيجة الأطفال حين يباغتهم قادم جديد، صعدت نظراتي في ربوة الطريق، عمال البلدية يجتمعون في زوايا الشوارع وكأنهم في إضراب عام.الطرقات المؤدية إلى الثانوية أغلقت، ظل الطلاب يراوحون في مشيهم. - خذ أيها الرسام وتفتت كرة الثلج على وجهي - ماذا فعلت أيها الأحمق؟! لم أعد أعي ما أقول، أصاب الثلج عيني - تضربني يا ؟ كان يزورني في بيتي ويسألني عن لوحاته، عاملني وكأني ولد مثله، اقتربت منه، أصبح وجهه قيد كفي، لا أعرف ما أوقفني؟ بسمته البريئة؟ أم جموده لانتظار العقاب؟ - يا شيخ لم أكن أدري...؟ كانت كلماته تلاحقني. واصلت طريقي، توقفت عن المشي، وظل ينظر في اتجاهي. في زاوية الشارع، طلاب الثانوية ينتظرون إشارة المرور من عمال البلدية. - انتظري معنا يا آنسة حتى يزيحون الثلج قال أحد الطلاب لزميلته: - خذي كتلة من الثلج واضربي ذاك الرسام المتغطرس! - هل هناك رسام في مدينتنا؟ - ذاك الشيوعي ألم أحدثك عنه؟ - بلى تذكرت، هل هو لا يؤمن بشيء؟ جاءت كرة ثلج، أدرك الجهة، لكن لم يستطع أن يعرف صاحب الكرة، سمر عينيه على طالبة تضحك وطالبات يضربنها على كفها، كان منظرا بهيجا أن يضرب بشيء من العنف الأنثوي، لكن بإيعاز من هذه الضربة؟ غير رأيه في أن يواصل سيره، وقف بالمقربة من الجمهور الغفير ، خاطب فتاة: - من الذي ضربني؟ أومأت له باتجاه الجمع - واحدة من هؤلاء - ماذا أفعل لها؟ - أضربها وكورت كتلة من الثلج ثم رصتها بيدها وأعطتها للرسام: - الفتاة التي ترتدي بنطلونا أبيض ومعطفا أحمر. تطايرت الكرات في اتجاهنا، وراحت تغطينا إلى أن اختفينا وراء أعمدة الكهرباء، هناك من دخل في صفنا، وراحت تحدث تجمعات في الشوارع الأخرى. كانت لحظة آسرة أن تضربك فتاة طالبة بالثانوية، وترمي مع كل ضربة حقدها أو حبها لا أدري...؟ كانت فتاتي تعترض الكرات التي تصيبيني أو تدفعني لأحيد عنها وأشدها أثناء ذلك من يدها كي تمر كرات الثلج بعيدا عن وجهها، كان ثمة طفولة ما، لا أعرف لم حلت بي وأشاعت في قلبي طيور الألوان؟ .............................................................. .............................................................................
.. هل أدلك على شيء يعطر الألوان بأجنحة الموسيقى؟ يطل على شرفة الظلال التي تستعيد هياكل المساء، وكلما أذهب إليها ظلت متلفعة، تشي بنفسها في حياء، تلك هي الخديعة، مثل شفرة الموس، تحلم بالدم وتذكرك بالعدالة، رائحة الإنسان تأتي على أميال، لمسته لن تبلغ مداها ونظرتك مكسرة على زجاج الجليد. هل أدلك على الطريق؟ وأي طريق سوى أن تعلن انتماءك؟ كانت ليلة باردة تحتاج للحطب في المدفئة، لكن الرسام دخل في فراشه المعد من قبل وأسند رأسه على الوسادة، فتح كتاب فان غوغ عند هذه الجملة (... شد الموس بيده وامتدت يده الأخرى إلى أذنه كي لا يذبح غيرها ...) دمٌ، دمٌ، السرير، الغرفة، اللوحات، من يرسم فان غوغ غيره؟
من مجموعة (كاتب الديوان) مطبوعات دار طوى توزيع دار الجمل.

0 التعليقات:

إرسال تعليق